أشهر قصة تروى عن علي بن الجهم مع المتوكل هي تلك القصة التي تقول إن الشاعر كان بدويًا صحراويًا، وعندما قدم إلى بغداد للمرة الأولى في حياته، أثر أن يبدأ عهده بمدح خليفتها المتوكل على عادة الشعراء فأنشده قصيدة، منها:
أنت كالكلب في حفاظك للود
وكالتيس في قِراع الخطوب
أنت كالدلو لا عدمناك دلوًا
من كبار الدلا كثير الذنوب
فعرف المتوكل كما تقول القصة حرفيا، حسن مقصده وخشونة لفظه، وأنه ما رأى سوى ما شبهه به، لعدم المخالطة وملازمة البادية، فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة، فيها بستان حسن، يتخلله نسيم لطيف يغذّي الأرواح، والجسر قريب منه، وأمر بالغذاء اللطيف أن يتعاهد به، فكان أي ابن الجهم يرى حركة الناس ولطافة الحضر، فأقام ستة أشهر على ذلك، والأدباء يتعاهدون مجالسته ومحاضرته، ثم استدعاه الخليفة بعد مدة لينشده، فحضر وأنشد:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
اعدن لي الشوق القديم ولم اكن
سلوت ولكن زدن جمرا على جمر
خليلي ما أحلى الهوى وأمره
وأعرفني بالحلو منه وبالمرّ
كفى بالهوى شغلًا وبالشيب زاجرًا
لو أن الهوى مما ينهنه بالزجر
بما بيننا من حرمة هل علمتما
أرق من الشكوى وأقسى من الهجر؟
فقال المتوكل: لقد خشيت عليه أن يذوب رقة ولطافة.
التعديل الأخير تم بواسطة كاسكيتا ; 2022-10-05 الساعة 09:18 AM