طلب مني ابن خالتي المكوث في الشقة برفقة "فاطمة" ونظراً للفارق السني الكبير جداً بيني وبينه وابن خالي أيضاً
فإني قررتُ المكوث لئلا يخبرون والدي بسوء فعالي أو طيشي
ولستُ بالذي يلومهم فلقدُ كنت في بداية الـ 21 عاماً تقريباً
وهم في منتصف الأربعينات.
وبحكم العادات والتقاليد فإنه من الضروري احترام من هم اكبر سناً
طبعاً محدثكم " سحب على أم العادات والتقاليد" !
اكبر مني سناً ؟
يا حبيبي ذولا " منسمين " وكل واحد ما يعرف يدبر عمره
خرجتُ برفقة " فاطمة"
وهي من " إيفران" في الأصل
تعرفتُ على تفاصيلها ونحنُ في الطريق ، و أخذت تحدثني عن مدينتها الصغيرة الجميلة
وعن الثلوج وتفاصيل رائعة .
وصلنا إلى " المارشيه القديم " بالدار البيضاء
تحديداً بالقرب من شارع " علال عبد الله "
حيث رأيت أشياء لم أراها في حياتي مسبقاً ، التكدس البشري
و زحمة السيارات ونظراً لكوني ابن " الجبيل الصناعية"
فمثل هذه المشاهد تعتبر " فوق العادة" .
كانَ هنالك شخص واقف في أقصى الشارع
( جهة الترامواي حالياً)
هذه الأسطر قبل الترامواي بسنين طويلة
و كانَ يراقبنا ( حدسي أخبرني) ، قلت لفاطمة بأن هنالك رجل يراقبنا
قالت : لا تخف سأكسر عظامه و اطحنها يا بُني..
عجبتُ من صرامتها فعلاً ، بعدها تيقنتُ بأن الجسم الذي حباها الله به
وسيلة للدفاع عن نفسها ومن برفقتها فآمنتُ وأمنت.
اخذنا ما طلبته للطبخ من لوازم وخضار وفواكه وما إلى ذلك
ولإعداد الطاجين و الكسكس ليوم غد ، علاوةً على كميات كبيرة من اللحم والدجاج
( كأننا في هجرة جماعية)
توقفنا لأخذ سيارة أجرة وسط الزحام
وقبل أن نصعد السيارة ، هجم ذلك اللص
( الظريف )
أم المستظرف
ههههههههههههاي !
والله لن تفارق صورته مخيلتي وهو يُركل و يشتم
من قبل فاطمة جزاها الله كل خير، وكلما ضربته ضحك
و أخذ يتراقصُ كالمجنون.
ضاع صوابي وطاش سهم ابليس في عقلي
كيف لهذا اللص أن يتطاول على فاطمة !
إنها الحمية يا مسلمين
ههههههههههههههههههه
هجوم يا ساري ، سددتُ له لكمة خطافية تحت الفك
تماماً كما تعلمتُ في القرية والحواري القديمة.
وقف المسكين يئنُ لفرط الوجع ، حاول المقاومة
تحامل على نفسه كثيراً ، فأتبعته فاطمة بكيس اللحم على وجهه
صاح المسكين : أريد أن آكل فقط أنا جائع جائع ارحموني
فاطمة
Undertaker
توقفي عن ضرب المسكين ، والله لم أعهد أنثى بقسوتك و قوتك
قالت : والله لأشرب من دمو !
راك عزيز علي بحال مبارك و صالح
( ابناء الخال والخاله )
قلت لها : لا بأس لا بأس..
الغريب في هذا اللص الظريف ، هندامه الأنيق
وتناسق الألوان ، وحلاقته لذقنه وعنايته بنفسه
ولم أجد أي رائحة للمسكرات تعبقُ منه ، بل عطور خفيفة تفوح منه.
هل نسحبه إلى أقرب مطعم
( شين وقوي عين )
تقتل القتيل وتمشي بجنازته !
أم نبلغ الشرطة ؟
حارت بي الأسئلة حقيقة
قلتُ له : من أي حي أنت ؟
قال : أنا ابن الحي المحمدي
وقعَ هذا الحي في قلبي و أذني دونَ تردد
وبنغمة فريدة ، لا اعلم هل كانت تلك النغمة
هي سر عشقي للحي المحمدي ( بعد سنين طويلة) !
لكن كيف جمعت الأناقة مع السرقة ؟!
أم هذه حيلة مُتبعة هُنا ؟!
قال : قبح الله الفقر
شهادة كبيرة ولا وظيفة ولا مدخول لدي..
فاطمة تقول لي : دعه ولا تصدقه أو تصدق عليه بأي شيء
لا تطل الحديث معهم ولا تثق بعابر سبيل في هذا الشارع تحديداً ..
خذ كيس اللحم يا رجل والفواكه الآن و اترك الشارع قبل أن يبلغ أحدهم الشرطة..
اختفى خلف المسرح الأثري و راح مهرولاً كأنه طفل نال هديته
توارى الظريف بين الأزقة وراحت عيني ترقبهُ لتشيعهُ مودعةً .
ليجعل من تلك اللحظات
أطرف حدث في أول رحلة تاريخية للدار البيضاء..
عفواً " الدار البيضاء"
أنا لا اكتبُ شيئاً بالحبر
كل ما اكتبهُ
من دم قلبي..
سامحيني إذا ما قررتُ
حرق كل الأوراق
و رميها بالمحيط الأطلسي
لأني كُلما قرأتُ ما كتبته
بكيت..
إلا أن يتبنى أحد تلك الأوراق
ويضمها إلى مجموعة ذكرياته..