" مـدن كالنســاء " 3
وبما أن تجربتي الصباحية في اكدال لم تسـرني كثيراً ، قررت أن أمنح صبـاحي حيويةونشاطاً ومعرفة اكثر بحـالات الرباط الصبـاحية .
أن تقرأ في تفاصيل المدينـة ، وفي الوجوه ، وفي رؤية الطبقات الشعبية .. هذا يعني أنك سترى بعين ثاقبة اكثر وسيظهر لك الخفـاء علناً في وضح النهار .
سرت في قرابة العـاشرة صباحاً إلى " شـارع محمد الخامس " رحمه الله ، وكنت قاصداً مكان أعرفه ولم أزره
قرأت عنه الكثير .. فكانت فرصتي .
وجهـاًَ لـ وجه للبرلمان الشهير وبجانب المسرح ووزارة الثقافة .. يقع ذلك الصرح المشيد في 1932 م
الذي مضى على تأسيسه 84 عــاماً فقط
ولأنك في المغرب لايحق لك أن تقول أن " فندق ومقهى باليما " قديم جدا ، لن يوجد في المغرب مقاهي ومباني تفوق عمره بـ أضعاف مضـاعفه .
عندما أقتربت من فندق ومقهى باليما تذكرت ذلك الثائر الكـوبي الشهيـر " جيفارا " الذي حل ضيفاً على الرباط وعلى باليماً تحديداً .
جلس في ارجائه وتحت اشجاره الظليله ، وأحتسى قهوته وتكلم بكل صعلكه كما يفعل دائما ..
تحت مراقبة الأستخبارات الأمريكية التي أرهقها .. والسلطات المغربية المحلية حيث تم أحتجازه لمدة ثلاث أيام أو أكثر إلى ان تدخل رئيس الحكومة المغربية آنذاك السيد " عبدالله إبراهيم " .
وكان هناك وقبل أن تدخل للمقهى بائع الكتب والصحف الشهير ، الذي أشتعل رأسه شيباً ولعله يكون من أكبر مثقفي باليما ، بعمره الذي لايقل عن عمر باليما كثيــراً ، يبيع الكلام والمعرفة ويستمع إلى كل الحوارات التي فوق الطاوله وتحتهــا .
باليما .. هو مسرح حياة ، هو ذاكرة الرباط وعطرها ، هكذا يصف باليما الكاتب السوداني " طلحـه جبريل " الذي مر بقصتـي حب إنطلقت من باليما تحديداً ، يقول : " كانت فنجالي حيـاه ، وليست فنجـالي قهوة ! "
باليما بموقعه المهم والجميل الذي لابد يوجب عليك عندما تجلس فيه وتستظل بـ أشجاره الوارفه التأمل والأنصات للتاريخ وللقصص والحكايا ، وكما يقول أحد رواد باليما لو سجل كل ماقيل في طاولات باليما لخرجنا بمجلدات في كافة النواحي الثقافية .
ولا أنسى أنني تصفحت فيه قصائد للشاعر المصري الراحل " أحمد نجم " الذي حل ضيفاً على باليما في اوآخر عام 2008 م الذي كتب عن جيفارا بحرقه وقال :
جيفارا مات
جيفارا مات
آخر خبر فِ الراديوهات
و فِ الكنايس
و الجوامع
و فِ الحواري
و الشوارع
و عَ القهاوي و َ البارات
جيفارا مات
جيفارا مات
و اتمد حبل الداردشة و التعليقات
مات المناضل المثال
يا ميت خسارة عَ الرجال
مات الجدع فوق مدفعه جوّه الغابات
جسّد نضاله بمصرعه
و من سُكات
لا طبالين يفرقعوا
و لا اعلانات
ما رأيكم دام عزكم
يا انتيكات
يا غرقانين
فِ المأكولات و الملبوسات
يا دفيانين
و مولعين الدفايات
يا محفلطين *
يا ملمّعين يا جيمسنات
يا بتوع نضال آخر زمن
ف العوامات
ما رأيكم دام عزّكم
جيفارا مات
لا طنطنة
و لا شنشنة
و لا إعلامات و استعلامات
عيني عليه ساعة القضا
من غير رفاقه تودّعه
يطلع أنينه للفضا
يزعق و لا مين يسمعه
يمكن صرخ من الألم
من لسعة النار فِ الحشا
يمكن ضحك
أو ابتسم
أو ارتعش
أو انتشى
يمكن لفظ آخر نفس كلمة وداع
لَجل الجياع
يمكن وصية للي حاضنين القضية
بالصراع
صور كتير ملو الخيال
و ألف مليون إحتمال
لكن أكيد و لا جدال
جيفارا مات موتة رجال
يا شغالين و محرومين
يا مسلسلين
رجلين و راس
خلاص خلاص
مالكوش خلاص
غير البنادق و الرصاص
دا منطق العصر سعيد
عصر الزنوج و الامريكان
الكلمة للنار و الحديد
و العدل أخرس أو جبان
صرخة جيفارا يا عبيد
في أي موطن أو مكان
ما فيش بديل
ما فيش مناص
يا تجهّزو جيش الخلاص
يا تقولو عَ العالم
خلاص .
-
من روعة باليما أيضا يقال أن البرلمانين الكرام كانو يكملو نقاشهم في باليما بعد إنتهاء وقتهم البرلماني .
وأيضا كان من رواد باليما الأنيق والفخم جدا الذي لقب بـ " سلطان باليما " ذلك المحتال الأكبـر
الذي باع " المدافـع " الأثريـة التي تـزين القصبـة إلى سـائح فرنسي وتوارى عن الأنظار .
باليما فرصة لاتفوت لـ زائري الرباط ، مقهى عظيم جداً يتيح لك تأمل الرائحين والرائحات ، ويجعلك تغني بكل بساطــة :لامـر الحلو .. يولع الشارع !
وبعدما تعرفت على باليما عن قرب ، ذهبت إلى نهر أبي الرقراق وقصبة الوداية كنت في الظهيره عندما ترائت لي مباني الوداية العتيقة التي ظلت وستظل بأذن الله شامخه وأثرية يفوح منها عبق التاريخ .
تجولت على امتداد النهر مشياً ، كان هادئاً جداً .. الا من الدراجات الهوائية التي يمتطيها السياح الأوربيين .
وقوراب الصيد الصغيره الملونه وصيادي السمك المفعمون بالصبر والحيوية والنشاط وانغام الموسيقى التي تبث من الكافيهات المتجاوره على امتداد النهر .
كان العشاق يتبادلون كلمات الحب والشعر أيضاً في جنباته .. تراهم فرادى وأيديهم متماسكة كـ نبضات قلوبهم ومشاعرهم المتيقظـة والمشعه كـ شمس نهر أبي الرقراق
منظر العشاق لاتخطئه العين أبداً ، ولاتخطئة الروح أيضاً .
خطر لي حينها ماقاله أحد الشعراء المبدعين الذي تغنى وقال :
يوم كلـن ماسك بيده حبيبـــه
كنت أنا ويــــاي .. نبحث عن أيادي !
كان هناك أيضاً مطعماً عباره عن " سفينه خشبية بجانب النهر " ، وقمت بالدخول إليه وليتني لم أفعل ..
لم يكن على القدر المطلوب ، إستقبالهم غير جيد ، وجلست أنتظر قدوم المينو ذا السعر المبالغ فيه فتره طويله رغم فضـاء المطعم .. كان مطعماً كئيباً جداَ بـ إطلالة على نهر هادي لايستحق العناء ولا الثمن .
وأكملت مشياً إلى المباني التاريخية المميزة لمدينة الرباط " قصبة الاوداية " المميزه ، التي لا ينحصر تميزها فقط في قيمتها التاريخية، بل يلعب موقعها الفريد دورا هاما في هذا التميز، فهي تتوسط المدينة البيضاء ، وتطل على البحر وعلى نهر ابي رقراق، اما تاريخها فيمتد على مدى ثمانية قرون، بناها السلطان عبد المومن الموحدي عام 1165، ومنذ ذلك التاريخ، وهي المكان المفضل لاقامة الملوك والسلاطين.
وسميت الوداية على اسم قبيلة صحراوية كانت تسكن القصبة وأدمجت ضمن الجيش العلوي للدفاع عن المدينة ضد هجمات القبائل المجاورة.
فـ كانت مكاناً يستحق الزياره فعلاً فقلد أبهجتني قصبة الوداية جداَ وجعلتني اشاهد جزءا من الجانب التاريخي لمدينة الرباط .
عدت إلى اكدال وأثناء عودتي ولـ أول مره في المغرب اشاهد سيارة أمريكية الصنع من طراز كاديلاك الحديثه تمشي امامي بكل فخر وإعتزاز وكأنها الحسناء الوحيدة في شوارع الرباط .
الازدحام المروري من سمات الرباط الرئيسية نهاية فترة الظهيره ، ولكن بكل تاكيد أقل بكثير من زحام الدار البيضاء ومراكش المزعج .
وعندما عدت إلى شقتي في احدى زنقات اكدال .. رأيت تجمع عند أحدى البنايات المجاوره للعمارة التي أقطن بها ، وسيـارة سوداء تخص " الدرك الملكي " .. وقلت يالله عسى علم خير ، ولم أهتم للأمر كثيراً .
وأتجهت إلى اكدال ، أريد أن أرى نبض الشارع في الساعات المسائية الأولى .. حركه مروريه كثيفة ،واما حركته بالعابرين فلم يكن مزدحماً ولا خالياً ايضا .. وشد نظري تواجد اخواننا الخلوقين من سلطنة عمان في اكثر من مكان بلبسهم التقليدي الجميل .
اوليفري كان مزدحماً جداً ، بحيث حتى لو حصلت على طاوله لن تجد راحتك فالجميع متقاربون وستأصلك احاديثهم .. بالنسبة لي أمر لا احبذه .
فقررت العـودة إلى شقتي ، وعندما وصلت أخبرت الخادمة بما رأيت من تجمع وأفتتني قائلة لي بكل حزن ، ان هناك سيدة إنتقلت إلى رحمة الله .. فـ أصبت بخيبة أمل ، وأحسست أن المكان سيتحول إلى صالة عزاء كبيره وحزن سيشمل الحـي كله فقررت الهــروب صبيحة اليوم التالي .
أخترت ان يكون العشــاء في تلك الليلة الأخيرة في مطعم " يامال الشـام " بعدما قرأت عنه ..
وفعلا ذهبت في الحادية عشر مساءاً إلى شارع " المغرب العربي " امشي متتبعاً الجي بي أس إلا أن وصلت .. وكان مقابلاً لـ المترو .. ايضاً
دخلت إلى المطعم وكان مزدحماً وأغلب روداه من الأخوه المغاربه ، والسوريين المقيمين بالمغرب وحصلت على طاوله جميله ، ديكور المطعم كان غريباً بالنسبة لي ، حاول الدمج بين الطراز المغربي والدمشقي ولم يوفق .
اما اطباقهم فكانت في غاية الروعة ، اكلهم لذيذ ويستحق الزياره مرة اخرى ، لكن لم يستطيعو أن يشعروني بأن الأكل شامي بحت ، والسبب بكل بساطة لأنك في المغرب ، فالنفس المغربي في المطبخ يفرض نفسه كعادته في جميع الأطباق ، حتى الكبسه .. لاتستطيع أن تحصل على كبسة مثل التي في جده مهما عملــت ستتدخل النكهة المغربية شئت ام أبيت !!
ما إنتهيت من وجبة العشـاء إلا بذلك الشاب الذي أخذ يدندن بالعود روائع نـزاز قباني وكاظم الساهر ..
الذي راح يدندن بصوت جميل وبعزف متقن ..
أني خيرتك فـ أختاري
مابين الموت على صدري .. أو فوق دفاتر أشعـــاري !!
وخرجت وأنا كلي رضا عن هذه الليله العظيمه التي توجتها بمطعم يامال الشـام الجميل .
بعدما بقائي بالرباط لمدة ثلاثة أيام إستنتجت مايلي :
أن جو الرباط العـام أستطيع أن أضع هذه العلامـة ( + 40 ) وهي تشير إلى أن من يستمتع بها قد جاوز الأربعين عاماً على أقل تقدير .. لا شي للشباب سوى المقاهي ، لاشي للصيادين الكسولين كذلك .
روتين الرباط ستمتد يده إلى عنقـك مباشـرة ومنذ اليوم الأول ، ستشاهد الجزيرة الأخبارية في التاسعة مساءاً
ستسمر في مراسلة القروبات الخاصة بك في الواتس آب ، ستقرأ صحفاً يومية ، وستجد متسعاً للوقت إن كنت في نوفمبر لـ تشتري الرمان من سوق الفاكهـة ، وستنصت لـ آقدام العابرين ليلاً ولـ ضحكات جارتك الجميلة .
ربما ستفكر في الخمر ، في العاهرات ، في ليلك الشتـوي الطويل ، ستضحك ، ستبكي ، وأخاف عليك أن تفعلها والعيـاذ بالله وتستمع إلى شيلة " حبيبي شرب شاي بنعنــاع " .
إلى هنــا وأنتهي من " مدن كـ النسـاء " لعلي وفقت في أعطائكم أهم وأبرز ملامح جولتي القصيرة في رباط العز .
ودعوني أهمس لكم سراً " أحــذرو شهر نوفمبر في المغرب "
أحذرو الشهر الكسول البطي الخامل ، ذا التقلبات الجويـــة الغريبة .. وكونو اكثر ذكاءاً في أختيار أوقات سفركم للمغرب الحبيب ..
واخيراً ..
غنو مع أبو نوره كل مسـاء ومع السيده فيـروز صباحاً وادعو لي في ظهر الغيب كلما تذكرتم " مدن كالنســاء " .
وتذكرو أن احــلام مستغانمي كتبت :
هنالك مدن كالنساء ، تهزمك أسماؤها مسبقًا تغريك وتربكك تملأك وتفرغك ، وتجردك ذاكرتها من كل مشاريعك ليصبح الحب كل برنامجك ،،هنالك مدن لم تخلق لتزورها بمفردك ، لتتجول وتنام وتقوم فيها وتتناول فطور الصباح وحيدًا ،،هنالك مدن جميلة كذكرى ، قريبة كدمعة ، موجعة كحسرة هنالك مدن .. كم تشبهك !
ألقاكم بخير .